الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية كمال سحنون عميد المهندسّين التونسيّين: منظوريَّ غاضبون جدّا

نشر في  05 أفريل 2021  (20:55)

أجرى الحوار شوقي برنوصي

 قرّرتْ عمادة المهندسين التونسيّين تنفيذ إضراب غيابيّ مفتوح انطلاقا من يوم الإثنين 05 أفريل 2021 لمنظوريها بكافّة المؤسّسات والمنشآت العموميّة تحت عنوان«فكّ حقّك يا مهندس»، بعد الإضراب الذي دام خمسة أيّام من 29 مارس و02 أفريل 2021.

خلال هذا الإضراب، امتنع المهندسون عن الحضور إلى مقرّات عملهم مع التوقّف التام عن كلّ نشاط بالنسبة للعاملين عن بعد. جاءت هذه الخطوة تصعيدا لتحرّكات المهندسين، في ظلّ تسويف حكومة المشيشي لمطالبهم بعد يوم الغضب الذي تمّ تنظيمه يوم الخميس 18 مارس 2021 بالقصبة.

التقينا السيّد كمال سحنون عميد المهندسين التونسيّين لنفهم بعض أسرار هذا التحرّك الاحتجاجيّ، حتّى نتجنّب انفجارا قد يطال بعض المصالح الحيويّة بالبلاد إذا سلّمنا بما قاله الكاتب الفرنسي مارسيل بانيول «يجب أن نَحذرَ المهندسين، إنّهم يبدؤون بآلة خياطة لينتهوا بها إلى قنبلة نوويّة».

دم المهندسين متفرّق بين القبائل

السيّد عميد المهندسين، لماذا هذا الإضراب وما هي مطالبكم بالتحديد؟

نفّذنا الإضراب لسبب بسيط. اتفقنا مع الحكومة يوم 29ذيسمبر 2020 على زيادة خصوصيّة لمهندسي الوظيفة العمومية تسحب على جميع المؤسّسات والمنشآت العموميّة، وفق وثيقة فيه جميع تفاصيل التنزيل ولا يحمل أيّ لبس فيه وغير قابلة للتأويل.

في الحقيقة ليست لنا مطالب، نطالب فقط بتنفيذ الاتفاقيّة. تخلق الحكومة المشاكل من لاشيء لنا ولغيرنا. إنّنا مقتنعون أنّ الأمر بسيط وسيتمّ فضّه. إذا تمّت المماطلة، قد نصل إلى إضراب المفتوح وفق ما تقرّره هياكل العمادة. أعتقد أنّ هذه الحكومة لا تفقه إلاّ لغة العنف، وهذا ليس هدفنا. يوم 30 مارس 2021 أوقفتْ طائرة بمطار المنستير بسبب الإضراب ورغم ذلك  تدخّلنا كي تضمن حقّ المسافرين. لا نزال إلى الآن نتحلّى بالمسؤوليّة كعادة المهندس التونسيّ.

هذا الإضراب هو الشجرة التي تخفي الغابة، يعيش المهندس الكثير من التهميش، كما يغيّب عن العمليّة التنمويّة واتّخاذ القرار والتي أتصوّر أنها السبب الأعمق للأزمة الحاليّة، هل هذا صحيح؟

دم المهندسين متفرّق بين القبائل كمال يقال، وهذا ما يجعل مشاغلهم متفرّقة على قطاعات عديدة ويحدّد تأثيرهم ويعرّضهم إلى التهميش. يوجد مهندسون بجميع الوزارات دون استثناء، في وزارة الصحة مثلا لصيانة المعدّات واستغلالها وفي وزارة الداخليّة أيضا في الإعلاميّة ونظم الاتصال وغير ذلك، وهي وزارات غير معنيّة بالهندسة. نضيف إلى ذلك الوزارات المعنيّة بمهارات المهندسين وهي الفلاحة والتجهيز والاتصالات والصناعة والطاقة، إنّها ترتكز أساسا على منظورينا. تختلف وضعيّة المهندسين على الأطبّاء الذين تشرف عليهم وزارة الصحّة والقضاة الذين تشرف عليهم وزارة العدل، على سبيل المثال لا الحصر، وهو أمر يجعل مطالبهم وتحرّكاتهم مؤثّرة.

ينقسم المهندسون في تونس إلى صنفين: فئّة تتبع القطاع العام بين وظيفة عموميّة ومنشآت على ملك الدولة كليّا أو جزئيا، وفئة تنضوي تحت القطاع الخاصّ كأجراء داخل المؤسسات المهيكلة أو غير المهيكلة أو العائليّة أحيانا، كذلك المهندسون أصحاب المشاريع الصغرى الخاصّة بالخدمات الهندسيّة ومكاتب الدراسات وأصحاب مؤسسات كبرى كذلك مرتكزة على تقنيات يتقنونها. ويجب على العمادة أن ترعى على جميع الأصناف، وهذا ما يجعل مهمّتنا صعبة خاصّة في توحيد مطالب المهندسين المتعدّدة والمتنوّعة.  

نلقى انتقادا أيضا من مهندسي القطاع الخاص، إذ يعتبروننا عمادة خاصّة بمهندسي القطاع العمومي، لكن على العكس تماما نحن نعمل لصالح جميع المهندسين التونسيّين أينما كانوا. وهذه التحرّكات جزءٌ قليل من نضالاتنا.

هل هناك تنسيق مع منظّمات أو هياكل أخرى لدعمكم في تحرّكاتكم أو إعداد مشاريع القوانين.

كلّ مشروع نعدّه له حملة مناصرة ترافقه. على سبيل المثال، لنا لقاء هذه الأيّام مع جامعة البناء والأشغال بالاتحاد التونسي للصناعة والتجارة حتّى نساندهم في مشكلتهم مع وزارة التجهيز، لأنّنا نملك مهندسين يعملون في القطاع أو أصحاب شركات. نحن نعمل على علاقات التشبيك لصالح قطاعنا ولصالح تونس عامّة. صدرت عديد بيانات المساندة مع الإضراب من طرف نقابات الاتحاد العام التونسي للشغل، والتقيت مؤخّرا مع رئيسه السيّد نور الدين الطبوبي  ودوما على اتّصال معه.

قانون المهندس للحدّ من نزيف هجرة المهندسين

نلاحظ ضعفا نسبة المهندسين في قيادات الحكومة الحاليّة خاصّة الوزارات التقنيّة؟ إلى ماذا تعزو ذلك؟

تاريخيّا، المهندس حاضر في عديد الحكومات منذ الاستقلال. تشكّلتْ هذه الحكومة من رؤساء دواوين صاروا وزراء. إنّها باختصار حكومة الإدارة التونسيّة. هل هذه هي الفئة التي يجب أن تسيّر البلاد؟ يقول الوضع المزري الحالي الذي وصلنا إليه عكس ذلك.

على ماذا تعمل عمادة المهندسين حاليّا؟

في الثلاث سنوات الأخيرة، عاودنا هيكلة العمادة كي تتأقلم مع العصر الحالي. غيّرنا النظام الداخلي وانهينا القانون الأساسي، وسنمرّره على مجلس وزاريّ قريبا ليحال على مجلس نوّاب الشعب للمصادقة عليه. صار في العمادة ممثّل لكلّ صنف من الأصناف الأصناف، وصار لكلّ فئة هيكل خاصّ بها داخل العمادة. نحن في مرحلة تأسيس. رغم مرور أربعين عاما على بعث عمادة المهندسين التونسيّين، كانت العمادة سابقا تحت سيطرة النظام الحاكم. لكن بعد الثورة أخذت استقلالها لذلك توجّب علينا إعادة الهيكلة. نحن حريصون على تنظيم المهنة.وبدأنا بالقطاع العمومي لأنّه الأسهل، بحكم أنّه تاريخيّا الأكثر تنظّما ويملك تقاليد عريقة. بالنسبة إلى الأصناف الأخرى، أعني بهذا مهندسي مكاتب الدراسات والخدمات الهندسيّة ومكاتب المراقبة، فقد قطعنا أشواطا كبيرة في هيكلتها مستعينين بتجارب سابقة مثل قطاع المهندسين المعماريّين، رغم أنّنا نلقى معارضة من بعض الفئات.

لا نزال نتعرّض إلى بعض الصعوبات مع الأجراء في القطاع الخاصّ، الذين ينقسمون إلى  فئتين: المهندسون ذوو الرواتب العالية والمهندسون الذين نعتبرهم من «ذوي التشغيل الهشّ» في المؤسّسات الصغرى. لا توجد وزارة أو هيكل يعتني بهم، تكمنُ المعركة الحقيقيّة في تغيير ثقافة المستثمرين غير المهيكلين للضغط عليهم لضمان حقّ المهندسين في العمل الكريم. تحضّر العمادة مشروعا يحدّد الأجر الأدنى للمهندس التونسي، ونملك موافقة مبدئية من رئيس الحكومة حول هذا الموضوع.

نعمل أيضا على قانونيْن للمهندس، الأوّل خاصّ بالسلك المشترك الذي ينظّم عمل المهندس داخل الوظيفة العموميّة عبر تحديد مهامّه وتصنيفه وتأجيره. يهتمّ الثاني بالقانون الأساسي لتنظيم المهنة، أي ماهيّة المهندس وترسيمه ومهام العمادة والهياكل داخلها، وكيفية حماية المهنة كما يضبط مجلس التأديب -الذي يقوم  مقام محكمة ابتدائيّة- وطرق الاستئناف الأحكام. نريد ألاّ نترك مكانا لتأويلات قد تضرّ المهندس أو تحرمه من حقوقه. 

تناضل العمادة لأجل منوال تنموي مبنيّ على اقتصاد المعرفة

يغادر 3000 مهندس البلاد كلّ عام، هل للعمادة مخطّط للحدّ من هذا النزيف؟

هذا المشكل لا يحلّ إلاّ بتغيير منوال التنمية المهترئ. إنّه غول يجثم على صدر البلاد ستين عاما، يجب أن نتكاتف لنغيّر سياسة الدولة كي نخلق الثروة في تونس ونحدّ من نزيف العملة الصعبة التي نورّد بها كثيرا من الأمور التافهة.

الإضراب جاء في وقت صعب اقتصاديّا، والخوف كلّ الخوف أن يقع تأويله على كونه يحمل صبغة مطلبيّة بحتة وهذا مجانبٌ للحقيقة. هل اقترحت العمادة برنامجا يكون فيها المهندس فاعلا في الإصلاح الاقتصادي في تونس، وقادرا على التغيير؟

تعتبر العمادة قوّة اقتراح حقيقيّة، وهذا ما دأبنا عليه. يؤخذ برأي العمادة في استشارات، ويمكننا أن نقترح حتّى دون أن يطلب منّا ذلك. في القانون المتعلّق بهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة طلب منّا البرلمان استشارة، وأبدينا رأينا فيه.  تفاجأت اللّجنة المسؤولة بتحضيرنا لكتيّب تفصيليّ فيه تركيز على كلّ المضامين حول مفهوم التنمية المستدامة ودور الهيئة وكيفية إنجاحها، دون الدخول في الشكل أي حول عضويّتها وتسييرها. اكتشف صانعو القرار في تونس أن العمادة عندما تكون شريكة، ودون مجال للشكّ، أنّها سوف تمنح مقترحات تفيد وتطوّر أيّ مشروع.

وفق الهيكلة الجديدة للعمادة، نعمل على منوال تنموي مبنيّ على اقتصاد المعرفة. اقترحنا أن تتكفّل الدولة بإحداث منوال تنمويّ يدمج الكفاءات الهندسيّة التونسيّة يخلق الثروة عبر منتوجات ذات قيمة مضافة أو خدمات تقنيّة عالية الجودة، عوض أن تكوّن كفاءات هندسيّة وتهديها للخارج. تمكنّنا علاقاتنا الوطيدة من بلورة تصوّر شامل لمنوال التنمية هذا بالشراكة مع منظّمات أخرى مثل عمادات الأطبّاء والصيادلة وهيئة الخبراء المحاسبين، خاصّة اتحاد المهن الحرّة الذي يجمع كلّ هذه المنظّمات والذي أترأسه هذا العام.  

هل ستشارك العمادة في الحوار الوطني؟

نحن داعمون له ومقتنعون بضرورة ذلك. لا يجب أن نميّع هذه المبادرة التي قدّمها الاتحاد العام التونسي للشغل. نريد أن نشارك فيها لنثريها، ضمن عمادة المهندسين، اتحاد المهن الحرّة على كلّ طرف أن يتنازل يجب أن نكون ايجابيين وداعين لجهود الاتحاد. بعد أن نجلس على الطاولة، سنجد حلولا لكافّة الإشكاليات السياسيّة والاقتصاديّة.